الشوكاني

171

فتح القدير

ابن مصرف " الضأن " بفتح الهمزة ، وقرأ الباقون بسكونها . وقرأ أبان بن عثمان ( ومن الضأن اثنان ومن المعز اثنان ) رفعا بالابتداء . قوله ( ومن المعز اثنين ) معطوف على ما قبله مشارك له في حكمه . وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وابن كثير وأهل البصرة بفتح العين من المعز . وقرأ الباقون بسكونها . قال النحاس : الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان ، والمعز من الغنم خلاف الضأن . وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار ، وهو اسم جنس ، وواحد المعز ماعز ، مثل صحب وصاحب ، وركب وراكب ، وتجر وتاجر ، والأنثى ماعزة . والمراد من هذه الآية : أن الله سبحانه بين حال الأنعام وتفاصيلها إلى الأقسام المذكورة توضيحا للامتنان بها على عباده ، ودفعا لما كانت الجاهلية تزعمه من تحليل بعضها وتحريم بعضها تقولا على الله سبحانه وافتراء عليه ، والهمزة في ( قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ) للإنكار . والمراد بالذكرين الكبش والتيس ، وبالأنثيين النعجة والعنز ، وانتصاب الذكرين بحرم ، والأنثيين معطوف عليه منصوب بناصبه . والمعنى : الإنكار على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها ، وقولهم ( ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ) أي قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام ، وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام ، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ، يعني من الضأن والمعز فكل مولود حرام ذكرا كان أو أنثى وكلها مولود ، فيستلزم أن كلها حرام . وقوله ( نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) أي أخبروني بعلم لا بجهل إن كنتم صادقين . والمراد من هذا التبكيت لهم وإلزام الحجة لأنه يعلم أنه لا علم عندهم ، وهكذا الكلام في قوله ( ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ) إلى آخره . قوله ( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ) أم هي المنقطعة ، والاستفهام للإنكار ، وهي بمعنى بل والهمزة : أي بل أكنتم شهداء حاضرين مشاهدين إذ وصاكم الله بهذا التحريم . والمراد التبكيت وإلزام الحجة كما سلف قبله . قوله ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا فحرم شيئا لم يحرمه الله ونسب ذلك إليه افتراء عليه كما فعله كبراء المشركين ، واللام في ( ليضل الناس بغير علم ) للعلة : أي لأجل يضل الناس بجهل وهو متعلق بافترى ( إن الله لا يهدى القوم الظالمين ) على العموم ، وهؤلاء المذكورون في السياق داخلون في ذلك دخولا أوليا ، وينبغي أن ينظر في وجه تقديم المعز والضأن على الإبل والبقر مع كون الإبل والبقر أكثر نفعا وأكبر أجساما وأعود فائدة ، لا سيما في الحمولة والفرش اللذين وقع الإبدال منهما على ما هو الوجه الأوضح في إعراب ثمانية . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال : الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز . وليت شعري ما فائدة نقل هذا الكلام عن ابن عباس من مثل هؤلاء الأئمة ، فإنها تتعلق به فائدة ، وكون الأزواج الثمانية هي المذكورة هو هكذا في الآية مصرحا به تصريحا لا لبس فيه . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : الذكر والأنثى زوجان . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( ثمانية أزواج ) قال : في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة والسائبة . وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث بن أبي أسلم قال : الجاموس والبختي من الأزواج الثمانية . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ) قال : فهذه أربعة ( قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ) يقول : لم أحرم شيئا من ذلك ( أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين )